سهيلة عبد الباعث الترجمان
363
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
هذا خَلْقُ اللَّهِ « 1 » وهو يرمي في تحديده لهذا المعنى إلى التأكيد على وجود الأعيان الثابتة الموجودة في علمه تعالى ، أي في عالم الغيب قبل وجودها في عالم الشهادة وذلك بتقدير اللّه تعالى لها أن توجد على هذه الحالة أو تلك ، فوجود الأشياء في علمه تعالى إذن ليست دليلا قاطعا على أنه يقول بقدم العالم كما قال الفلاسفة من قبل ، إنما قو - له إشارة إلى تقدير اللّه للموجودات جميعها الوجود في علمه في عالم الذرّ قبل أن تصبح موجودات محسوسة فيقول : " إن الحق يقدّر الأشياء في الأزل ولا يوجدها في الأزل لأنه محال من وجهين : الأول أن الحق تعالى لا يكون موجدا إلا بالإيجاد ، ولا يوجد ما هو موجود لأنه يلزم تحصيل حاصل ، فلا يوجد إلا ما هو معدوم ، وما هو معدوم يستحيل أن يتصف في الأزل بالوجود لأنه موصوف بإيجاد موجد أوجده ، فيستحيل أن يكون أزليا ، وهو موجود مستفاد من موجده وهو اللّه تعالى . والوجه الثاني أنه لا يمكن أن يقال إن العالم موجود في الأزل ، لأن الأزل نفي الأولية واللّه هو الموصوف بالأزلية ، فيستحيل أن يكون العالم أزليا لأنه يرجح أن يقال : أن العالم يستفيد الوجود من الحق وغير مستفيد منه وهو تناقض . . . قال والحق سبحانه وتعالى يقدّر الأشياء أزلا ولا يقال يوجدها أزلا " « 2 » وعليه يكون تعارف القوم على تسمية الخلق بالتقدير من باب الاستعارة من القدر حيث يقول تعالى إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ « 3 » . ولهذا اعتبر ابن عربي أن الخلق لم يوجد إيجادا مباشرا وفي الزمن عينه ، بل هو مقدور سابقا ، موجود في علم اللّه وهو العلم الغيبي . يقول : الخلق تقدير وليس بكائن * والمبدعات هي التي تتكون الروح والكلمات شيء واحد * والحق فيه هو الذي يتعين فالعالم النحرير ليس بثابت * في حاله فمقامه يتلوّن فلذاك أعطى كل شيء خلقه * وهداكم لكلامه فتبيّنوا
--> ( 1 ) سورة لقمان ، الآية : 11 ك . ( 2 ) البرزنجي ، الجاذب الغيبي ، مصدر سابق ، ص 67 وما بعدها . ( 3 ) سورة القمر ، الآية : 49 ك . ( وانظر عبد الغني النابلسي ، كتاب الوجود ، ص 316 ) .